خمسة طلبات لا يحقّ للمحكّم أن يطلبها — وكيف تُحوّل الطلب المستحيل إلى طلب ممكن
بعض ملاحظات المحكّمين لا يمكن تنفيذها أصلاً: البيانات جُمعت وانتهت. والمحكّم الماهر يعرف كيف يحوّل الطلب المستحيل إلى طلب ينفّذه المؤلف في ساعة.

تصل المؤلفَ ملاحظةٌ من المحكّم تقول: «كان يجب أن تكون الدراسة مستقبلية». فيقف عاجزاً. البيانات جُمعت قبل سنتين، والمرضى خرجوا من المستشفى، والدراسة انتهت. لا يستطيع تنفيذ الطلب، ولا يجرؤ على تجاهله.
المشكلة ليست في المؤلف. الملاحظة نفسها معطوبة: طلبت ما لا يمكن أن يُنفَّذ. والمحكّم (Reviewer) الذي كتبها لم يُحسّن الورقة، بل أتعب المؤلف وأحرج المحرّر (Editor) وأطال جولة تحكيم بلا مكسب.
صنّف كل ملاحظة قبل أن تكتبها
الخطوة التي يتخطّاها معظم المحكّمين المبتدئين هي التصنيف. قبل أن تكتب سطراً في تقريرك، ضع كل ملاحظة في واحد من أربعة أرباع:
- جوهرية قابلة للإصلاح — حساب حجم عيّنة غائب · آلية التخصيص غير موصوفة · لا تقييم لخطر التحيّز.
- جوهرية غير قابلة للإصلاح — تصميم لا يستطيع الإجابة عن السؤال · معاينة متحيّزة تحيّزاً قاتلاً · غياب الموافقة الأخلاقية.
- ثانوية — صياغة ووضوح · ترتيب جدول · صيغة مرجع · اختصار غير معرَّف.
- ليست من شأنك — «كنتُ سأدرس شيئاً آخر» · «أعيدوها بتصميم مستقبلي» · «استشهدوا بأوراقي».
والرُّبع الأخطر هو الأخير، وأشيع بنوده أن تطلب من المؤلف دراسةً غير التي أجراها. لا يستطيع أحد أن يعيد دراسة انتهت.
الجوهري والثانوي — الفرق في سطر
| ملاحظة جوهرية (Major comment) | ملاحظة ثانوية (Minor comment) | |
|---|---|---|
| المعيار | تمسّ صحة النتيجة أو تفسيرها | تمسّ الوضوح أو الشكل |
| أثر إهمالها | قارئ قد يُضلَّل | قارئ قد يتعب |
| أمثلة | تحيّز غير مُعالَج · لغة سببية · تحليل غير مناسب | صياغة · ترتيب جدول · اختصار غير معرَّف |
| كيف تُكتب | مرقّمة أولاً، ومع كل واحدة مقترح حلّ | مرقّمة بعدها بإيجاز |
لاحظ العمود الأخير: الملاحظة الجوهرية بلا مقترح حلّ ملاحظةٌ ناقصة. أنت لا تُشخّص فقط، بل تدلّ على المخرج.
الطلبات الخمسة التي لا تُطلب
الأول: «كان يجب أن تكون الدراسة مستقبلية». الدراسة رصدية استعادية وقد انتهت. اذكرها قيداً يُضاف إلى المناقشة، لا تعديلاً يُنفَّذ.
الثاني: «زيدوا حجم العيّنة». البيانات جُمعت وانتهت، ولا يستطيع المؤلف استدعاء مئة مشارك إضافي. اطلب بدلاً من ذلك عرض القوة الإحصائية ومناقشتها في القيود.
الثالث: «أضيفوا متغيّراً لم يُقَس». ما لم يُقَس لا يمكن استخراجه من العدم. اطلب مناقشته كإرباك متبقٍّ — أي عاملاً محتملاً لم يُضبط، وأثره على تفسير النتيجة.
الرابع: «استشهدوا بأوراقي». هذا هو الاستشهاد القسري (Coercive citation)، وهو ممارسة مرفوضة ترصدها المجلات وتتابعها. ولا يُقبل إلا إن كان المرجع ضرورياً علمياً ومبرَّراً صراحةً — ومع الإفصاح بأنه من أعمالك.
الخامس: «الموضوع غير مهم». هذا حكم المحرّر على نطاق المجلة، لا حكمك أنت. دورك أن تحكم على المنهجية.
القاعدة الواحدة: حوّل الطلب المستحيل إلى طلب ممكن
كل طلب من الخمسة له مقابلٌ قابل للتنفيذ، والمهارة كلها في الترجمة بينهما. خذ هذا المثال حرفياً:
بدل «لا يمكن تغيير التصميم» اكتب: «يُرجى إضافة قيد صريح يوضّح أن التصميم المقطعي (Cross-sectional design) لا يسمح بتحديد التسلسل الزمني، وتعديل لغة الخلاصة تبعاً لذلك».
الفرق بين الصيغتين ساعةُ عملٍ للمؤلف بدل استحالة. والأولى تُنتج ردًّا دفاعياً عامًّا؛ والثانية تُنتج تعديلاً في النص وجولةَ تحكيم أقصر — وهذا يخدمك أنت أيضاً.
والوجه الآخر: حين تصلك أنت هذه الملاحظة
أكثر قرّاء هذا المقال سيتلقّون هذه الطلبات قبل أن يكتبوها. والردّ الصحيح ليس الجدال ولا الاستسلام، بل ثالث: أقرَّ بالقيد، وأضِفه إلى المناقشة، وعدّل لغة الخلاصة تبعاً له.
وهذا مقبول تماماً من المحكّم المنصف. فحين يردّ المؤلف بأن التعديل غير ممكن لأن البيانات لم تُجمع، ثم يضيف قيداً صريحاً، فالردّ صحيح منهجياً ولا يبقى للمحكّم إلا أن يقبله ويتحقّق من أمرين فقط: هل القيد مكتوب بوضوح كافٍ؟ وهل عُدِّلت لغة الخلاصة تبعاً له؟
والمحكّم الذي يصرّ على رأيه بعد تبرير علمي وجيه يتحوّل من مقيِّم إلى خصم — والمحرّر يلاحظ ذلك.
اختبر نفسك
صنّف كل ملاحظة: جوهرية · ثانوية · ليست من شأنك.
- «لم تُذكر طريقة التعامل مع البيانات الناقصة».
- «كان من الأفضل دراسة فئة عمرية أخرى».
- «الجدول 3 يكرّر ما في النص حرفياً».
- «الخلاصة تستخدم لغة سببية في دراسة مقطعية».
- «يُرجى الاستشهاد بأوراقي الخمس في هذا المجال».
- «لم يُذكر رقم الموافقة الأخلاقية».
الحلول: الأولى جوهرية لأنها تمسّ صحة النتيجة · الثانية ليست من شأنك لأن البيانات جُمعت · الثالثة ثانوية لأنها عرضٌ لا صحة · الرابعة جوهرية لأنها تجاوز لسقف التصميم · الخامسة مرفوضة لأنها استشهاد قسري · السادسة جوهرية لأنها نقص إلزامي لا شبهة.
خطوتك التالية
إن كنت تكتب تقرير تحكيم الآن، فأعد قراءة ملاحظاتك الجوهرية واحدة واحدة واسأل عن كل واحدة: هل يستطيع المؤلف تنفيذ هذا على البيانات التي بين يديه؟ ما لا يستطيع، حوّله إلى قيد يُناقَش. وإن كنت مؤلفاً تلقّى مثل هذه الملاحظة، فاكتب القيد بنفسك قبل أن يُطلب منك.
من يعرف حدود المحكّم يردّ عليه بشكلٍ أفضل
هذا المقال مستخرَج من دليل التحكيم العلمي — الذي يمشي معك من قرار قبول الدعوة إلى كتابة التقرير والتعامل مع الجولة الثانية. وحين تصلك أنت ملاحظات محكّم، فـدليل كتابة الورقة العلمية ونشرها يعالج الردّ عليها بنداً بنداً — ما تقبله، وما ترفضه بأدب، وكيف تكتب خطاب الردّ.
