مقال

سبعة أقسام تُقرأ بترتيب وتُكتب بترتيب آخر — لماذا يبدأ الباحث المحترف بالجداول؟

ترتيب قراءة الورقة ليس ترتيب كتابتها. من يبدأ بالمقدمة يكتب مقدمةً لبحث لا يعرف بعدُ ماذا سيقول — ومن يبدأ بالجداول يعرف ورقته قبل أن يكتب سطرًا.

  • د. محمد رائد الشامي
  • قراءة 7 دقائق
شكل الساعة الرملية وترتيب كتابة أقسام الورقة العلمية السبعة — أكاديمية الشامي

البيانات مكتملة، والتحليل انتهى، والملف مفتوح على الشاشة. ثم يكتب الباحث «Introduction» ويقف. يقرأ ورقتين ليقتبس منهما، ويعيد صياغة الجملة الأولى خمس مرات، ويغلق الملف. وبعد أسبوع يفتحه فيجد نفسه في المكان نفسه.

الشلل هنا ليس ضعفًا في اللغة ولا في المادة. سببه أن الباحث يحاول كتابة القسم الذي لا يمكن كتابته أولًا. المقدمة (Introduction) وظيفتها أن تُمهّد لما ستقوله — وهو لا يعرف بعدُ ماذا سيقول بالضبط.

قبل الترتيب: رسالة واحدة في جملة واحدة

قبل أي ترتيب، اكتب رسالة ورقتك في جملة واحدة. إن عجزت عن ذلك، فأنت لست جاهزًا للكتابة بعد:

«في هذه الدراسة الأترابية على 372 مريضًا، ارتبط السكري النوع الثاني بانخفاض معدل التئام الجروح بعد العمليات الصغرى عند 30 يومًا».

وهذه الجملة ليست إلا سؤالك البحثي وقد أُجيب عنه — فإن لم يكن سؤالك محدّدًا من البداية، فراجع كيف تحوّل فكرة غامضة إلى سؤال بحثي قابل للتنفيذ قبل أن تكمل.

ثم طبّق اختبار الجملة الواحدة: كل ما يدخل ورقتك يجب أن يخدم هذه الجملة. أي جدول أو فقرة أو تحليل لا يخدمها — احذفه. والورقة التي تحاول قول ثلاثة أشياء لا تقول شيئًا.

شكل الساعة الرملية

كل ورقة علمية تتبع الشكل نفسه: الساعة الرملية (Hourglass) — عام، فخاص، فعام.

المقدمة تبدأ عامة وتضيق حتى تصل إلى سؤالك. الطرق (المنهجية · Methods) والنتائج (Results) هما أضيق نقطة في الورقة كلها — تفاصيل دراستك وحدها. ثم تتسع المناقشة (Discussion) تدريجيًا حتى تعود إلى الصورة الكبرى.

الخطأ الذي يجعل الورقة تبدو بلا سبب

الخطأ الشائع هو كسر هذا الشكل من طرفيه: مقدمة تبقى عامة حتى نهايتها بلا تضييق، ومناقشة تبقى ضيقة بلا اتساع. النتيجة ورقة تبدو كأنها لا تعرف لماذا كُتبت.

وحين تحدث المشكلة، لا يكون علاجها في تحسين الجُمَل. علاجها في الترتيب الذي كُتبت به.

اكتب بترتيب مختلف عن ترتيب القراءة

القارئ يبدأ من العنوان فالملخص فالمقدمة. أما أنت فتكتب بالعكس تقريبًا:

الترتيبالقسملماذا هنا؟
1الجداول والأشكال (Tables and Figures)هي هيكل ورقتك — تحديدها أولًا يمنع الكتابة العشوائية
2الطرق (المنهجية)الأسهل، ومكتوب أصلًا في بروتوكولك
3النتائجوصف ما في الجداول بلا تفسير
4المناقشةتفسير ما وجدت بعد أن عرفته
5المقدمةتُكتب بعد أن تعرف ما ستقوله فعلًا
6الملخص (Abstract)خلاصة ما كُتب
7العنوان (Title)آخر شيء — بعد أن تتضح الرسالة

لاحظ المنطق الواحد الذي يحكم القائمة كلها: لا تكتب قسمًا يعتمد على قسم لم يُكتب بعد. المقدمة تعتمد على المناقشة، والمناقشة تعتمد على النتائج، والنتائج تعتمد على الجداول. فمن بدأ بالمقدمة بنى السقف قبل الأساس.

لماذا الجداول أولًا تحديدًا؟

لسببين، أحدهما يخصّ القارئ والآخر يخصّك أنت.

أما القارئ فلأن قارئ المجلة المحترف يقرأ الملخص، ثم الجداول، ثم يقرّر إن كان سيقرأ النص أصلًا. جداولك ليست ملحقًا توضيحيًا للنص — هي الواجهة التي يُحكم على ورقتك من خلالها قبل أن تُقرأ.

وأما أنت فلأنك حين تصمّم جداولك أولًا، تكتشف فورًا أمرين لا يظهران بأي طريقة أخرى:

  • ما ينقصك من تحليلات. الخلية الفارغة في الجدول سؤال لم تُجب عنه بعد. اكتشافها الآن يكلّفك يومًا؛ واكتشافها بعد كتابة الورقة كلها يكلّفك أسابيع.
  • ما لديك من تحليلات زائدة لا مكان لها. كل تحليل لا يجد له عمودًا في جدول ولا محورًا في شكل هو تحليل لا يخدم رسالة ورقتك — واختبار الجملة الواحدة يقول: احذفه.

ما الذي يتغيّر عمليًا؟

لا شيء في كمّ العمل. الأقسام السبعة نفسها ستُكتب كلها في النهاية. ما يتغيّر هو أنك في كل لحظة تكتب قسمًا تملك مادته كاملة، فلا تقف أمام صفحة بيضاء مرة واحدة.

والفارق يظهر في المقدمة تحديدًا: حين تكتبها خامسةً لا أولى، تكون قد عرفت نتيجتك وقارنتها بالأدبيات وحدّدت قيودها — فتخرج مقدمتك قصيرة ودقيقة تنتهي بفجوة صريحة، بدل أن تكون مراجعة أدبيات طويلة كتبتَها وأنت تبحث عن اتجاه.

خطوتك التالية

لا تفتح المستند لتكتب. افتحه لتصمّم الجدول الأول — جدول خصائص المشاركين — كاملًا بصفوفه وأعمدته وحواشيه. ثم صمّم بقية الجداول والأشكال. ولن تكون قد كتبت جملة واحدة، لكنك ستكون قد بنيت ورقتك.

وحين تصل ورقتك إلى المحكّمين لاحقًا، ستتلقّى ملاحظات بعضها لا يمكن تنفيذه أصلًا — وهذا موضوع خمسة طلبات لا يحقّ للمحكّم أن يطلبها.

وقبل أن تنتقل إلى الطرق، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة:

  • هل أستطيع كتابة رسالة ورقتي في جملة واحدة؟
  • هل كل جدول وشكل عندي يخدم تلك الجملة — أم بقي فيها ما احتفظتُ به لأنه «جهد ضائع» لو حُذف؟
  • هل في جداولي خلية فارغة تعني تحليلًا لم أُجرِه بعد؟

الإجابة عن هذه الثلاثة قبل الكتابة تختصر عليك أسبوعين على الأقل. وبعدها لن تواجه صفحة بيضاء أبدًا.

من المسودة إلى القبول

الترتيب خطوة واحدة في مسار أطول. دليل كتابة الورقة العلمية ونشرها يمشي معك من الجملة الواحدة إلى خطاب التقديم والردّ على المحكّمين، ومعه خطة ثلاثين يومًا مرتّبة يومًا بيوم. وإن كانت جداولك تحديدًا هي العقبة، فـدليل عمل الجداول والأشكال العلمية مخصّص لها.

أفادك المقال؟ شاركه:
مرحبًا! أنا شوشو 👋 لستَ متأكدًا من أين تبدأ؟ اسألني وأدلّك على ما يناسب مرحلتك.