مقال

ما الذي يجعلني أرفض ورقة في أول دقيقتين — أربعة أشياء أنظر فيها قبل المقدّمة

المسح الأول لا يقرّر القبول ولا الرفض، بل يقرّر شيئًا واحدًا: هل الورقة قابلة للتحكيم أصلًا. وأغلب ما يوقفني فيه يُصلَح قبل الإرسال في ساعة.

  • د. محمد رائد الشامي
  • قراءة 8 دقائق
ما الذي يجعلني أرفض ورقة في أول دقيقتين — أكاديمية الشامي

حين تصلني ورقة للتحكيم، لا أبدأ من المقدّمة. أبدأ بمسح سريع لا يتجاوز دقيقتين، أخرج منه بقرار واحد: هل هذه الورقة قابلة للتحكيم أصلًا؟ ليس «مقبولة» ولا «مرفوضة» — بل هل فيها ما يكفي لأحكم عليه.

وأكتب هذا المقال لأن أغلب ما يُوقفني في هاتين الدقيقتين يستطيع المؤلف إصلاحه قبل الإرسال، ولا يحتاج بيانات جديدة ولا تحليلًا إضافيًا — يحتاج ساعة من المراجعة فقط.

أولًا: هل السؤال البحثي معلن؟

أبحث في آخر فقرة من المقدّمة عن جملة واحدة تقول: ماذا قِسنا، في مَن، ومقارنةً بماذا. فإن لم أجدها، فكل ما بعدها يصير عائمًا: لا أعرف أي نتيجة أساسية (Primary Outcome) أحاسب عليها، ولا أي تحليل كان مخططًا وأيّه استكشافي.

وهذه ليست مسألة صياغة. أستاذ الوبائيات Miguel Hernán، أستاذي أثناء دراستي الماجستير في هارفارد، كتب في مقالته الشهيرة The C-Word أن تجنّب التصريح بالهدف السببي في الدراسات الرصدية لا يجعل الاستنتاج أكثر حذرًا، بل يفعل العكس: حين يبقى الهدف مضمرًا يصبح السؤال غامضًا، ويقع الخطأ في التحليل، وتنفلت التفسيرات في المناقشة. والتصريح بالهدف — لا إخفاؤه — هو ما يرفع جودة البحث الرصدي.

ما أفعله عمليًا: إن لم أجد السؤال في المقدّمة، أبحث عنه في الملخّص. فإن اختلف الاثنان، فهذه ملاحظة جوهرية أكتبها قبل أن أقرأ سطرًا آخر.

ثانيًا: أقرأ الجداول قبل نصّ النتائج

هذا البند وحده يلتقط أكثر التناقضات التي أجدها. النصّ يُكتب ليقنع، والجدول يُكتب ليَعرض — فحين يختلفان، الجدول هو الصادق غالبًا.

أفتح الجدول الأول (Table 1) وأنظر في ثلاثة أشياء:

  • المجاميع. هل مجموع المجموعات يساوي العدد المذكور في الملخّص؟ الفرق ولو بمشارك واحد يعني إمّا خطأً حسابيًا وإمّا استبعادًا غير موصوف.
  • اقتران المقاييس. المتوسط (Mean) يُكتب مع الانحراف المعياري (Standard Deviation)، والوسيط (Median) مع المدى الربيعي (IQR). و«الوسيط ± الانحراف المعياري» خطأ يكشف ضعف الكاتب فورًا.
  • القيم الناقصة. هل ذُكر عدد الناقص لكل متغيّر؟ غيابه لا يعني عدم وجوده.

وفي التجارب العشوائية أنظر إلى شيء رابع: قيم p في الجدول الأول. وجودها إشارة إلى سوء فهم منهجي — فأي فرق عند خط الأساس في تجربة عُشِّيت عشوائيًا ناتج بالتعريف عن الصدفة، واختباره بلا معنى. الأنسب عرض حجم الفروق ليحكم القارئ على أهميتها السريرية.

ثالثًا: هل الأرقام نفسها في كل مكان؟

آخذ رقمًا واحدًا — النتيجة الأساسية — وأتتبّعه في أربعة مواضع: الملخّص، والنصّ، والجدول، والشكل. وأتعجّب كم مرة لا تتطابق الأربعة.

وأكثر ما يقع: تقدير في الملخّص بلا فترة ثقة، وفترة ثقة في الجدول لا تطابق التقدير في النصّ. وحين أجد ذلك، لا أستطيع الحكم على التحليل لأنني لا أعرف أي رقم هو الصحيح — فتصير الملاحظة الأولى في تقريري: وحّد الأرقام.

رابعًا: هل الاستنتاج أكبر من التصميم؟

أقرأ جملة الاستنتاج في الملخّص وحدها، وأسأل: هل يسمح بها التصميم؟ دراسة مقطعية (Cross-sectional) تُنتج «ارتبط» لا «يسبب». ودراسة بلا مجموعة مقارنة لا تُنتج «أفضل من».

وهذه أشيع مبالغة أراها، وأسهلها إصلاحًا: تغيير فعل واحد في جملة واحدة.

وما لا أفعله في هاتين الدقيقتين

لا أصحّح اللغة. ولا أحكم على «أهمية الموضوع» بذوقي. ولا أطلب بيانات لم تُجمع — فالبيانات جُمعت وانتهت، والطلب المستحيل يُهدر وقت الجميع. هذه ليست وظيفتي، وخلطها بالتحكيم يُنتج تقارير طويلة قليلة النفع.

كيف تستعمل هذا قبل أن ترسل ورقتك

افعل ما أفعله، بالترتيب نفسه، على ورقتك أنت:

  1. اقرأ آخر فقرة في مقدّمتك: هل فيها جملة واحدة تقول ماذا قِست وفي مَن ومقارنةً بماذا؟
  2. افتح جدولك الأول وحده — بلا نصّ: هل مجاميعه تُجمع؟ وهل المقاييس مقترنة صحيحًا؟ وهل الناقص مذكور؟
  3. تتبّع نتيجتك الأساسية في المواضع الأربعة: الملخّص، والنصّ، والجدول، والشكل.
  4. اقرأ جملة استنتاجك وحدها: هل يسمح بها تصميمك؟

أربع خطوات في أقلّ من ساعة. وهي لا تضمن القبول — لكنها تمنع أن تُردّ ورقتك لسبب لا علاقة له بجودة عملك.

من مقعد المحكّم

دليل التحكيم العلمي يمشي معك من قرار قبول الدعوة إلى كتابة التقرير والتعامل مع الجولة الثانية، ومعه قالب تقرير كامل ونموذج مملوء وقوائم تحقق. وإن كنت في الطرف الآخر — تكتب ورقتك وتردّ على محكّميها — فـدليل كتابة الورقة العلمية ونشرها هو المكان الذي تبدأ منه.

أفادك المقال؟ شاركه:
مرحبًا! أنا شوشو 👋 لستَ متأكدًا من أين تبدأ؟ اسألني وأدلّك على ما يناسب مرحلتك.